الفرس، كلمة ارتبطت ارتباطا وثيقا بالحضارة، المعارك، و التاريخ، و لطالما تغنى بها المؤرخون و بقوتها و عظمتها ما قبل العصر الإسلامي، إلى أن ظهر أذينة ملك تدمر !
نبذة تعريفية عن أذينة ملك تدمر
أُذينة هو زوج الملكة زنوبيا و الملك الذي حكم مدينة “تًدمر” (في سوريا حاليا) بدءا من السنة 228 ميلادي، و هي المدينة التي شهدت استقرارا سياسيا و اقتصاديا و ازدهارا منذ القرن الثالث قبل الميلاد، و ذلك نظرا لمحافظتها على حريتها و استقلالها و كذا سيطرتها على طرق التجارة في المنطقة، هذا الاستقرار أدى إلى العناية بالجيش و تنميته ليصبح أحد أقوى الجيوش في المنطقة.
وصول أذينة ملك تدمر للحكم
كان سقوط مدينة “البترا” المجاورة ( بالمملكة الأردنية حاليا) أحد أهم أسباب النهضة العمرانية لتدمر بعد استيلائها على مكاسبها و ممتلكاتها الهائلة، و صاحب ذلك تطورا و قوة إضافية للجيش التدمري، و صاحب ذلك وصول الساسانيين بقيادة “أردشير بن بابك بن ساسان” للسلطة في بلاد فارس، و توسعهم في الشرق بعد استيلائهم على مدن رومانية شرقية و مواصلة سيرهم نحو أنطاكية ( بتركيا حاليا) الأمر الذي قضى على الاستقرار السياسي آنذاك و بدأت فترة الاضطرابات السياسية و المواجهات تقترب !
في هذه الفترة، وصل الملك أُذينة للحكم، حيث وجد المدينة في أوج قوتها عسكريا و اقتصاديا إلا أنه لم يكتف بذلك القدر ففي فترة حكمه الممتدة من 259-267 ميلادي عرفت جيوشه قدرات عسكرية هائلة برزت خلال المعارك القادمة !
قصة الملك أُذينة مع الفرس
توسع الفرس جعل الشرق في حالة غليان و أدى لمواجهات بينهم و بين الروم بقيادة الإمبراطور “فاليران” على قيادة الشرق و الاستيلاء على الأراضي بالمنطقة، و لأن تدمر تتوسطهم كان على التدامرة بقيادة الملك أذينة اختيار الانضمام إلى أحد الصفين ضد الآخر، ولكون تدمر تربطها علاقات قديمة مع الروم و لأن معقلها بعيد عن تدمر مقارنة بالفرس فهي حتما أقل خطورة و تم اختيار التحالف مع الرومانيين ضد الساسانيين الفرس.
نجح الفرس بقيادة “سابور” في القضاء على الإمبراطورية الرومانية في الشرق، و اشتهر الساسانيون في العالم بالهزيمة التي ألحقوها بالرومان عام 260 قرب مدينة “إيسا”، حيث تم أسر ستين ألف جنديا رومانيا إضافة إلى القبض على امبراطورهم “فاليران” و الاستيلاء على آسيا الصغرى و شمال سوريا حاليا.
لأن لملك تدمر أذينة ثأر مع الروم لم يأخذه بعد أن قتل “روفينوس” قائد الروم قديما أباه “أذينة الأول” و رفض “فاليران” أن يسمح له بالأخذ بثأثره فإنه استبشر بهزيمتهم و على استعداد للانضمام للفرس، و هذا ما دفعه لإرسال الهدايا و رض الصداقة على الفرس، لكن إمبراطور الساسانيين كان له رأي مغاير ! حيث احتقر الهدايا و عرض مدينة تدمر و أمر بإلقائها في النهر فهو حاليا يُعتبر ملك الشرق و الغرب بعد هزيمة الروم فكيف يجرؤ ملك مدينة صغيرة مثل تدمر لا فائدة لها أن يعرض صداقته على ملك الملوك و يخاطبه ! بل و راح يتوعد أذينة بالعقاب على فعلته !
أشعل هذا التصرف المتهور و المغرور من طرف ملك الفرس فتيل حرب دارت رحاها على ضفاف الفرات، حيث جمع أذينة القبائل إلى صفه و وضعهم تحت قيادة ابنه “هيرودوس”، و جمع الفرسان تحت قيادة “زيدا”، و القواسة و رامِيِّ السهام تحت قيادة “زباي” و انضم إلى هؤلاء المتبقين من جيش “فاليران” الروماني و انطلقوا في رحلة الانتقام من سابور على الاحتقار و تحرير”فاليران” الأسير.
و بوصولهم إلى ضفاف نهر الفرات اشتعلت معركة ضارية بين الجيشين بقيادة كل من أذينة و سابور، حرب انتهت بإلحاق الهزيمة الشنعاء للفرس بخسائر فادحة في الأرواح على يد أذينة و جيشه جعلت امبراطور الفرس يفر هاربا بما تبقى من جيشه إلى الضفة الأخرى من الفرات تاركا ورائه نساءه و ممتلكاته و كل بلاده غنائم للتدمريين، و رغم ذلك فإنه لم ينجح في تحرير “فاليران” من الأسر إلا أنه استطاع بسط نفوذه على كل من بلاد الشام و بض الأقاليم الآسيوية الصغرى الرومانية.
و إثر بلوغ هذه الأخبار لإمبراطور الروم الجديد ابن “فاليران” “جالينيو” الذي حكم في الفترة الممتدة من 260-268 ميلادي، فإنه عبر عن امتنانه و سعادته بما صنعه “أذينة” و طلب منه الاستمرار في المعركة إلى غاية تحرير أبوه “فاليران”، و يهديه مقابل ذلك لقب “زعيم الشرق” Dux Orientis .
و لم يتوقف أذينة عند هذا الحد، بل راح يواصل مسيرة تحرير الأراضي الرومانية من الفرس و استرجاعها، فإضافة إلى أقاليم آسيا الصغرى المسترجعة و بلاد الشام، استرجع مدينة “حران” (بتركيا حاليا) ، و واصل توسعه و قضاءه على كل من أراد التمرد و الانقلاب في جيشه إلى غاية وصوله عام 264 ميلادي إلى عقر دار الفرس.. عاصمتهم “طيسفون” (بلدة المدائن حاليا في العراق)، و كاد أن يفتك بإمبراطورهم سابور غير أن المؤامرات التي حاكها بض القادة الرومان ضده حالت دون استسلام الفرس و دون نجاح أذينة و دون تحرير “فاليران” !
هذه المؤامرات التي كانت بقيادة القائد الروماني “مكريانوس” و الذي نصب نفسه إمبراطورا على الجزء الشرقي للإمبراطورية الرومانية و أعلن الثورة على الامبراطور الروماني جالينيو آنذاك، جعلت أذينة يتراجع من طيسفون و يعود أدراجه ليحل الأزمة التي سببها مكريانوس و بمجرد استعداده لمواجهته حتى وصله نبأ اغتياله فانتقل إلى حمص و ضرب عليها الحصار للقضاء على ابنه كياثوس، فكانت المؤامرة هذه المرة لصالح أذينة و تم قتل كياثوس من طرف خادمه كاليستوس، الذي حاول لاحقا إشعال الثورة من جديد غير أن أذينة أمر بقتله و انتهت الثورة عند هذه الأحداث و عاد الهدوء للمنطقة الشرقية من الامبراطورية الرومانية.
و كتعبير على العمل الجبار الذي قام به أذينة منح جالينيو عام 264 لقب “إمبراطور بلاد الشرق بأكملها” و سلمه الحكم عليها و قام أذينة بتسمية نفسه “ملك الملوك” و نقشت صوره إلى جانب صورة الإمبراطور الروماني على نقود الفرس المسلوبة و سماه مجلس الشيوخ لقب “أغسطس” فصار مركزه مساويا لمركز الإمبراطور الروماني.
ظهرت المقالة من هو أذينة ملك تدمر؟ أولاً على موقع بداهة.
from موقع بداهة https://ift.tt/2PQB3uM
via Baddaha